أحكام الإعتكاف

 

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

 

كقال المصنف-رحمه الله- : [ باب الاعتكاف ] : الاعتكاف : مأخوذ من قولهم : عكف على الشئ يعكف عكوفاً ، إذا لزم ذلك الشيء سواء كان خيراً أو شراً ، كما قال-سبحانه- : { هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } أي عليها عاكفـون ملازمون لها ، والاعتكاف : هو لزوم المسجد للطاعة والقربى والتقرب لله سبحانه وتعالى .

فهو لزوم مخصوص ، من شخص مخصوص ، في وقت مخصوص ، وهذا اللزوم المخصوص المراد به لزوم المساجد ، وهذه القربة والطاعة مستحبة ولها فضيلتها ، وأجمع العلماء-رحمهم الله- على أنها من الطاعات والقرب المستحبة لثبوت فضيلتها في كتاب الله عز وجل وكذلك هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم .

أما الكتاب فقوله-سبحانه- : { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } فقال-سبحانه- : { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ } وهذا يدل على شرف وفضل العكوف والاعتكاف في المسجد ، وكذلك - أيضاً - ثبت عنه-عليه الصلاة والسلام- أنه اعتكف واعتكف معه أصحابه-رضي الله عنهم- فهي من السنن التي يقتدى ويؤتسى فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم واعتكف أزواجه-رضي الله عنهن وأرضاهن- ، وأجمع العلماء على فضيلة الاعتكاف ، ولم يرد في الاعتكاف أحاديث صحيحة ، ولذلك لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضيلة الاعتكاف نصوص صحيحة ، كما نص على ذلك الأئمة-رحمة الله عليهم- ومنهم الإمام أحمد قال : لا أعلم فيه شيئاً صحيحاً . يعني في فضيلة الاعتكاف وما يكون فيه من الأجر ، إلا أن هناك بعض الأحاديث التي تدل على الفضيلة ، وما خلت من كلام وما خلت من مطعن ، والاعتكاف قربة وطاعة شرعها الله عز وجل لعظيم ما يحصل فيها من الخير والبر للإنسان ، فالإنسان إذا اعتكف في بيت الله عز وجل لزم طاعة الله-سبحانه- ولزم أفضل الطاعات وأشـرفها وأحبها إلى الله عز وجل وهي ذكره ، كما قال-عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح عنه : (( ألا أنبئكم بخير أعمالكم ، وأزكاها عند مليككم ، وخير لكم من إنفاق الورق ، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فيضرب رقابكم وتضربوا رقابهم )) ، قالوا : بلى يا رسول الله ! قال : (( ذكر الله )) ولو لم يكن في فضل هذه الطاعة إلا قوله-سبحانه- : { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ } لكفى فإن الإنسان إذا لزم بيت الله فقد لزم أحب البيوت إلى الله-سبحانه- كما في الحديث الصحيح : (( أحب البلاد إلى الله مساجدها )) فهو يلزم أحب البلاد لفعل أحب الطاعات ولا شك أنه سيصيب من ذلك الخير في دينه ودنياه وآخرته فالإنسان إذا لزم المساجد معتكفاً على الوجه المعتبر وأدى لهذه العبادة حقها وقام بها وأقامها على وجهها ، فإنه أسعد الناس بما يكون فيها من الخير ، ولذلك من الناس من اعتكف فخرج من اعتكافه بصيام النهار وقيام الليل ، ومنهم من خرج من الاعتكاف بختم كتاب الله عز وجل كل ثلاث ليال ، ومنهم من خرج من الاعتكاف بلزوم ذكر الله عز وجل لأنك إذا استمررت عشر ليال وأنت في طاعة الله صائم النهار قائم الليل والناس حولك وهم يذكرون الله-سبحانه- ويعينونك على الطاعة والذكر حتى لو أنك سئمت أو مللت نظرت إلى غيرك ووجدته مجداً مشمراً في الخير قويت نفسك على الخير وانبعثت على الطاعة والبر ، وهذا يجعلك مستديماً للطاعة فتمر عليك العشر الليالي وأنت محافظ على ختم كتاب الله كل ثلاث ليال فتجد لذة العبودية لله والأنس بالله عز وجل ولذة مناجاته وحلاوة دعائه وذكره-سبحانه- فتخرج منشرح الصدر مطمئن القلب وقد وجدت خيراً كثيراً ما غفل عنه الغافلون .

فإذا كان الإنسان كامل العقل سوي الفطرة ووجد هذه اللذة فإنه لايفرط فيها ، ويقول الله عز وجل ندبنا إلى الخير في كل زمان ومكان إلى الطاعة في كل زمان ومكان فيخرج وهو أقوى ما يكون على العبادة ، وأقوى ما يكون على الذكر ، ولذلك منهم من يحافظ على ختم القرآن كل ثلاث ليال ، لأنه اعتاد ذلك في اعتكافه فقويت نفسه على ذلك بعد الاعتكاف ، ومـن هنا قال العلماء : إن الاعتكاف يعين على الخير ويقوي النفوس على الطاعة والبر ، وهذا هو الاعتكاف الحق الـذي يخرج الإنسان منه وهو أقرب ما يكون على طاعة الله وأقرى ما يكون إلى الخير ، وَذِكْرُ المصنف لهـذا الباب في كتاب الصوم واضح ؛ لأن الاعتكاف إنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في شهر الصوم ، ولذلك السُّنة في الاعتكاف أن يكـون في رمضان تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ولا بأس بالاعتكاف في غير رمضان ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف عشراً من شوال .

قال بعض العلماء : في هذا دليل على مشروعية الاعتكاف في رمضان وغير رمضان ، ولأن الله سبحانه وتعالى قال : { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ } ولم يفرق بين اعتكاف وآخر فالمعتكف في أي زمان هو على طاعة الله عز وجل وبره ، ولا يخص ذلك رمضان على سبيل اللزوم ، لكن الأفضل الائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم والحرص على الاعتكاف في رمضان ما لم تكن هناك أمور آكد من الاعتكاف كبر الوالدين والقيام على الأهل في نفقاتهم ، ونحو ذلك من الحقوق الواجبة ، فإذا كان عند الإنسان والدان يحتاجان إليه ويحتاجان إلى بره وقربه فإنه يقدم بر الوالدين على الاعتكاف ؛ لأن بر الوالدين فريضة فرضها الله عز وجل وقرنها بتوحيده وألزم عباده بها ، وحثهم وحضهم عليها ، وأكد هذا الحث والحض ، وأما الاعتكاف فإنه سنة ومندوب إليه ولا يشتغل بالمندوب على وجه يضيع به الحق الواجب بإجماع العلماء-رحمهم الله- ؛ وإنما يتقرب إلى الله بما فرض ، ولذلك لا يعتكف الإنسان إلا بعد أن يكون قائماً بحقوق نفسه وحقوق أهله وحقوق الناس ، فإذا كان على هذا الوجه فَنِعْمَ الاعتكاف ، ثم إنه إذا دخل إلى معتكفه عليه أن يعلم أن هذا الاعتكاف ينبغي أن يتقيد بالضوابط الشرعية ، وأن يكون قائماً فيه بالواجبات على أتم وجوهها وأكملها .

فأول ما ينبغي على المعتكف أن تكون نيته وطويته وسريرته خالصة لله سبحانه وتعالى وأحب ما يكون عنده أن لا تسمع به أذن ولا تراه عين ولا يعلم أحد أنه معتكف ، وذلك من كمال إخلاصه ، وهذا هو الذي دعا بعض السلف لما سئل عن الإخلاص . قال : أن يتمنى العبد أن عمله بينه وبين الله لا يعلم به أحد . وهذا كمال الإخلاص ، فتدخل إلى المسجد ولا يشعر أحد بك أنك معتكف على قدر استطاعتك ، على خلاف ما يفعله البعض-أصلحهم الله- في هذا الزمان فتجد الرجل يحدث بالاعتكاف قبل أن يفعله-نسأل الله السلامة والعافية- ، ويقول : إذا كانت العشر الأواخر سنعتكف في مكة أو نعتكف في المدينة أو نحو ذلك ، وهذا لا يأمن صاحبه من الغرور ولا يأمن من الرياء ولا يأمن من الإدلاء على الله عز وجل بطاعته ، بل المنبغي على الإنسان أن يحفظ طاعته ، وأن يجعلها خالصة لوجه الله عز وجل وهذا هو أصل الدين الذي لايقبل الله دنياً سواه ، فإن الإنسان إذا راءى راءى الله به ، وإذا سمّع سمّع الله به كما قال صلى الله عليه وسلم : (( من راءى راءى الله به ، ومن سمّع سمّع الله به )) فإذا كان الإنسان يخرج إلى معتكفه وهو يريد وجه الله فإنه ينال أجره حتى يعود إلى بيته . فقد خرج في حسبة وطاعة وقربة لله عز وجل فخطواته مكتوبة وأوقاته مكتوبة حتى نومه في المسجد يكون عبادة له لأنه قد اعتكف ولزم المسجد في طاعة الله سبحانه وتعالى وهذا لا شك أنه مقرون بإخلاص النية لله عز وجل وكلما خلصت نية الإنسان نال من التوفيق في الاعتكاف بقدرها ، ولذلك تجد البعض من الأخيار إذا دخل الاعتكاف وقد حدث الناس باعتكافه أو دخل وفي نيته أن يجلس مع زيد أو عمرو وأن يؤانس الأصحاب والأحباب ونحو ذلك وجدته ينصرف كثيراً عن ذكر الله عز وجل ولا يوفق إلا في النـزر القليل بالخشوع والإنابة إلى الله عز وجل ولا شك أن هذا كما قال الله-تعالى- : { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ } فمن كانت نيته خالصة وغيرّها للأنس بالناس ولإضاعة الأوقات بالجلوس مع زيد وعمرو ، فإن الله يغير ما به من حلاوة طاعته ولذة مناجاته ، وإذا علم المعتكف أنه سيأنس بالناس فليعلم أن الأنس بالله أعظم من الأنس بالناس ، وإذا كان جلوس الإنسان مع زيد وعمرو يدخل السرور عليه فإن الصلاة وإحياء الوقت بذكر الله أعظم سروراً وأنساً وبهجة وطمأنينة في قلب من فعل ذلك ، فليحرص الإنسان على أن يقوم بهذه العبادة على وجهها ، كذلك - أيضاً - ينبغي عليه أن يحفظ هذه العبادة من العوارض التي تصرفه عن ذكر الله عز وجل فلا ينبغي عليه أن يكون خاملاً يكثر من النوم ويكثر من فضول النفس التي تريدها من شهواتها من مأكل ومشرب ونحو ذلك ، بل عليه أن يحمل نفسه على العزيمة وأن يقويها على الطاعة ، وأن يعد أيامه التي يعتكفها ، ويقول يا نفس كأنه يناجي نفسه كم نامت ؟‍ وكم ارتاحت ؟‍ وكم استجمت ؟‍ فلتجعل هذه الأيام من السنة في طاعة الله عز وجل خالصة لوجهه . والاعتكاف له شروط وله واجبات ينبغي توفرها وسينبه المصنف-رحمه الله- على جميع هذه الشروط والواجبات ، إلا أن المنبغي على الإنسان أن يحرص في اعتكافه على السؤال عن السُّنة وتحري هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه .

قوله-رحمه الله- [ وهو لزوم مسجد لطاعة لله تعالى ] : [ وهو ] : الضمير عائد للاعتكاف كأنه يقول-رحمه الله- : حقيقة الاعتكاف عندنا معشر الفقهاء والعلماء لزوم المسجد والمسجد مَفْعِل من السجود ، والمراد بذلك المسجد المعهود ، وليس المراد به كل موضع يسجد عليه ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً )) فالمراد بالمسجد هنا المعهود الذهني وهو المسجد المعروف الذي إذا أطلق في الشرع انصرف إليه الحكم ، فلا يشمل المصلى ، والمصلى هو الذي تفعل فيه بعض الصلوات دون بعضها ، فالمُصَلَّى لا يعتكف فيه أي ليس محلاً للاعتكاف ، ودليل ذلك قوله-سبحانه- : { وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } فدل على أن الاعتكاف يختص بالمساجد ، وبناءً عليه قالوا : لو كان المعتكف مصلى فإنه لايعتكف فيه ؛ وإنما يعتكف في المسجد ، والمسجد ينقسم إلى قسمين :

القسم الأول : مسجد يجُمَّع فيه .

والقسم الثاني : مسجد لا يجمع فيه . والمراد بقولنا : يجمّع فيه أي تصلى فيه صلاة الجمعة ، فالمسجد التي تصلى فيه الجمعة بالإجماع يعتكف فيه . وأما المسجد الذي لا يجمّع فيه ، ففيه تفصيل :

إن كان قد أوجب على نفسه أن يعتكف العشر الأواخر فحينئذٍ ينصرف إلى مسجد يجمّع فيه ؛ والسبب في ذلك أنه إذا نذر اعتكاف العشر الأواخر أو أوجبها على نفسه ، فإن هذه أي العشر الأيام ستتخللها الجمعة قطعاً ، وبناءً على ذلك لا بد وأن يكون في موضع أو مسجد يجمّع فيه ، ومن هنا يقولون : إنه لابد وأن يكون اعتكافه للعشر كاملة في مسجد يجمّع فيه ، هذا وجهه ، لأنه لو اعتكف في مسجد لا تقام فيه الجمعة فسيكون مضطراً إلى الخروج لصلاة الجمعة ، وحينئذٍ يفسد اعتكافه بالخروج ، إذا كان قد نذر اعتكاف العشر كاملة ، أما إذا كان اعتكافه اعتكاف طاعة وقربة ولم يقصد به العشر كاملة ، فإنه يصح في المسجد الذي يجمّع فيه والمسجد الذي لا تكون فيه الجمعة ، لكن بشرط أن تكون فيه جماعة ، لأنه مخاطب بشهود الصلاة مع الجماعة وبناءً على ذلك فلابد وأن يكون اعتكافه في موضع تكون فيه الجماعة الصلوات الخمس ، وعلى هذا فلا يصح الاعتكاف في مسجد لا تقام فيه الجمعة ، إن كان مريداً الاعتكاف العشر كاملة أو أوجبها على نفسه ، وأما بالنسبة للمسجد الذي لا يجمّع فيه وتقام فيه الجماعة ، فإن الاعتكاف فيه صحيح إذا لم يكن قد أوجبه على نفسه وفرضه .

وقوله [ لطاعة الله ] : اللام للتعليل أي لزوم المسجد من أجل طاعة الله-تعالى- .

والطاعة هنا نكرة شاملة ، لكل طاعة لله عز وجل أي لكل أمر مشروع سواء كان من الأقوال أو الأفعال .

أما الأقوال فيشمل ذلك قراءة القرآن ، والتسبيح والتحميد والتكبير والاستغفار ونحو ذلك من القرب القولية .

وكذلك - أيضاً - يشمل الطاعة التي هي القرب الفعلية ومن أفضلها وأحبها إلى الله عز وجل الصلاة ، كما قال -عليه الصلاة والسلام- : (( استقيموا ولن تحصوا ، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة )) فمن أفضل الطاعات التي يداوم عليه المعتكف ، كثرة الصلاة فإن كثرة الصلاة تزيد من صلة العبد بربه كما في الحديث عنه-عليه الصلاة والسلام- فيما يريه عن ربه (( وما تقرب إلىّ عبدي بشئ أحب إلىّ مما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبه )) الحديث . فيحرص العبد على طاعة الله عز وجل سواء كان قولاً أو فعلاً ، وكذلك الاعتقاد ، الطاعة بالقلب كذكر الله في قلبه وكالنظر في ملكوت الله عز وجل والتفكر في عظمة الله سبحانه وتعالى كل ذلك يعتبر من الطاعة والقربة كما أثنى عز وجل على عباده الأخيار من أولي الألباب الذين يذكرونه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ويثنون على الله عز وجل بما هو أهله من ذكره وتعظيمه سبحانه وتعالى .

وقوله [ لطاعة الله ] : خرجت المعصية ، فلا يجوز للمعتكف إذا كان معتكفاً أو غير معتكف لكنه في الاعتكاف أشد ، فالغيبة في المسجد أعظم من الغيبة خارج المسجد ، وهكذا أذية المسلم في المسجد بلسانه كسب الناس وشتمهم ، وهذا ما يقع فيه بعض الجهال-أصلحهم الله- في حجز الأماكن حينما يحجزونها بغير حق ، فإذا جاء أحد وقعد فيها سبوه وشتموه ، ونسوا حقوق المسلم على أخيه المسلم ، ولم يرعوا فيه حق الإسلام ولربما كان ذلك على سبيل الظلم فتجده يحجز المكان الذي يسعه ويسع غيره ، فإذا جاء الغير وجلس فيه ، أقام الدنيا وأقعدها ، فانتهك حد الله عز وجل ومحارم الله بسبه وشتمه وأذيته وانتقاصه وعيبه ولا شك أن هذا يعود صاحبه بالوزر العظيم ، فلا يجوز أذية الناس باللسان (( والمسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه )) فالمسلم يحفظ لسانه عن أذية المسلمين والنيل منهم والانتقاص لهم ، وإذا زلّوا عليه وأخطؤوا فزاحمه إنسان في الصف الأول ، أو نحو ذلك ، فليذكره بالله عز وجل وليقل : يا أخي اتق الله ، لأن الله سائلنا عما نقول ومحاسبنا عما نقول . فبدلاً من أن تبادر الإنسان بالأذية والسب والشتم وكشف عورته وأذيته فبادره بالنصيحة وذكره بالله عز وجل حتى تعذر إلى الله ، فإذا أصر وأبى فحينئذٍ يخير الإنسان بين أمرين : بين أن يعفو عنه إذا أخطأ عليه ، وهذا أحسن وبين أن يقتص منه وهذا حسن ، ولذلك قال-تعالى- : { فَبَشِّرْ عِبَادِ @ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } ففي القرآن حسـن وأحسن ، فالحسن { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } والأحسن { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } فهذا أكمل وأعظم وهو أكثر قربة لله سبحانه وتعالى وأرضى لله سبحانه وتعالى فإذا كان الإنسان معتكافاً ، وجاء وأحد وجلس في مكانه وهذا المكان تركته لقضاء الحاجة فقط ، وأما ما عدا ذلك فلا يجوز حجز المكان فيه فإذا خرج الإنسان لقضاء حاجته ثم جاء ووجد الغير قد جلس مكانه فليقل : أصلحك الله يا أخي هذا مكاني فإذا أصر وأبى ذكره بالله ، وقل له : يا أخي لا يجوز لك أن تجلس ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( إذا قام أحدكم من مجلسه لحاجته فهو أحق به إذا عاد إليه )) فتذكره بالسُّنة . وتقيم عليه الحجة فإن أبى فاعلم-رحمك الله- . أن الأجر من الله ، وأن الله يعلم أن هذا المكان مكانك وأنك في الصف الأول ولو كنت في آخر الصفوف ، فما دمت قد صرفت عن حقك بالظلم ، فإن الله سبحانه وتعالى سيؤتيك أجرك ، والله مطّلع على السرائر والضمائر ، فلا يجوز لك أن تضيع الأجر عليك ، فإذا كان الإنسان معتكفاً فليحذر من مثل هذه الآفات . وليعلم كما قال هذا الإمام الجليل : أن الاعتكاف للطاعة وليس للأذية ولا للتشويش على الناس ولا للتضيق عليهم ولا شك أن أذية المسلمين عامة لا تجوز فكيف إذا كانت في المساجد ؟‍

[ مسنون ] : أي أن هذا الاعتكاف إذا كان لزوماً للمسجد لطاعة الله التي شرعها الله مسنون أي هو سنة وقد دل على سنيته وشرعيته دليل الكتاب كما قلنا ودليل السُّنة من هديه صلى الله عليه وسلم ، ولذلك قال لأصحابه : (( فمن كان معتكفاً فليعتكف معنا )) أي ليعتكف العشر الباقية كما في حديث أبي موسى في الصحيح حينما نزل عليه الوحي-صلوات الله وسلامه عليه- ؛ لأنه اعتكف أول الشهر ثم اعتكف أوسطه ثم نزل عليه جبريل بالوحي من السماء (( إن الذي تطلبه - يعني ليلة القدر - أمامك )) أي أمامك فاطلبه فدل هذا على فضيلة العشر ، وفيه دليل على مشروعية الاعتكاف وفضيلته .

قوله-رحمه الله- [ ويصح بلا صوم ] : أي يصح الاعتكاف بلا صوم . وهذا له صور :

الصورة الأولى : أن تعتكف في الليل مجرداً عن النهار . وقد ثبت بذلك الحديث الصحيح عن عمر-t- كما في الصحيح لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أنه نذر أن يعتكف ليلة ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم : أن يوفي بنذره . فدل هذا على مسألتين :

المسألة الأولى : أن الاعتكاف لا يشترط له الصوم ، وهذا هو أصح قولي العلماء ، خلافاً للحنفية ، والمالكية -رحمة الله عليهم- ، الذين يقولون : باشتراط الصوم لصحة الاعتكاف .

المسألة الثانية : أنه يجوز أن تعتكف أجزاء النهار ؛ لأنه إذا لم يشترط الصوم فإنه يجوز لك أن تعتكف أجزاء النهار ؛ لأن الليل جزء من اليوم ، فدل على جواز اعتكاف جزء من اليوم سواء كان ليلة كاملة أو كان نهاراً كاملاً أو كان ساعة كاملة . بل قال العلماء : لو أن إنساناً دخل الفريضة فنوى أن يعتكف مدة جلوسه في المسجد ، فإنه معتكف ويكون له فضل الاعتكاف إذا نوى ذلك . وذلك لإطلاق الكتاب والسُّنة . والأفضل والأكمل التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف الكامل خاصةً في العشر الأواخر .

قوله-رحمه الله- [ ويلزمان بالنذر ] : ويلزم الاعتكاف ويلزم الصوم بالنذر ، فالاعتكاف نافلة ولا ينتقل من كونـه نافلة إلى الوجوب إلا في صور منها : النذر ، فإذا نذر وقال : لله عليّ أن اعتكف يوماً . فقال بعض العلماء : إذا قال : لله عليّ أن اعتكف يوماً فلا بد وأن يكون صائماً فيه . وقال بعض العلماء : يغنيه أن يعتكف اليوم بدون صيام ، وهكذا لو قال : لله عليَّ أن اعتكف ليلة ، فإنه يجزئه أن يعتكف الليل ولا يلزمه الصوم في هذه المسألة ، إنما يلزمه الصوم إذا نوى النهار .

فقال بعض العلماء : إذا نوى اعتكاف النهار كاملاً فإنه يصوم ، والصحيح أنه يلزمه الصوم ويلزمه الاعتكاف بالنذر ، أي إذا نذر وصرّح في نذره أنه يكون صائماً فإنه يلزمه الاعتكاف بالصوم ، وإلاّ أجزأه ولو جزء النهار . فلو قال : لله عليّ أن اعتكف في النهار فإنه يصدق عليه أنه معتكف ويتم نذره ولو بساعة واحدة من النهار .

[ ولا يصح إلاّ في مسجد يجمّع فيه ] : [ ولا يصح إلا في مسجد يجمّع فيه ] : لأنه إذا اعتكف في مسجد لاتقام فيه الجماعة فإن معنى ذلك أنه سيترك فريضة الله من شهود الصلاة مع الجماعة ، وكذلك - أيضاً - إذا اعتكف العشر الأواخر في مسجد تقام فيه الجماعة ولا تقام فيه الجمعة ، فمظنة أن يترك الجمعة في يوم الجمعة ، واستثنى بعض العلماء من ذلك . المريض المعذور في الجمعة ، قالوا : يجوز أن يعتكف العشر الأواخر في مسجد لا يجمع فيه ، لأنه إذا حضرت الجمعة صلاها ظهراً ، ولا يجب على مثله أن يشهد الجمعة .

قوله-رحمه الله- : [ إلا المرأة ففي كل مسجد ] : [ إلا المرأة ] : فإنه يجوز لها أن تعتكف في كل مسجد والأصل في جواز الاعتكاف للنساء . أن الله-تعالى- عمم في قوله-سبحانه- : { وَالْعَاكِفِينَ } فشمل هذا رجال والنساء .

وكذلك السُّنة عن النبي صلى الله عليه وسلم : فإنه أقر نسائه على الاعتكاف معه-صلوات الله وسلامه عليه- ، وإنما عاتبهن في الغيرة ومنافسة بعضهن لبعضهن وقال : (( آلبر أردتن )) وهذا يدل على مشروعية اعتكاف المرأة ولكن بشرط ألا يكون في النية دخل . كأن يكون ذلك على سبيل المضارة . كأن يكون بين الضرتين كما وقع لأمهات المؤمنين -رضي الله عنهن وأرضاهن- ، واعتكاف المرأة جائز ؛ لكن بشرط أن لا يؤدي إلى المحاذير الشرعية كمخالطة الرجال .

وكذلك - أيضاً - وقـوع الفتة والمحظور ، والأفضل للمرأة أن تلزم بيتها كما قال-تعالى- : { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } فالأفضل للمرأة أن تكون في بيتها ، والأفضل أن تصلي في مسجدها في بيتها في مخدعها ، فهذا أفضل لها وأكمل وأفضل لغيرها لأن الخير للمرأة ألا ترى الرجال ولا يراها الرجال . وكلما سُتِرَ النساء عن الرجال كان ذلك أحفظ لدين الرجال وأحفظ لدين النساء . فما ترك النبي صلى الله عليه وسلم بعده فتنة أضر على الرجال من فتنة النساء ولذلك الأفضل للمرأة أن تلزم بيتها . فإن أحبت أن تعتكف فلا حرج ، ولكن بشرط ألا يؤدي اعتكافها إلى فوات الحقوق الواجبة عليها ، فإن كان هناك حق لزوج فإنها لا تعتكف وإنما تؤدي حق بعلها وزوجها ، لأن الله فرض عليها القيام بحق بعلها ولا يعقل أن تنصرف من الواجب إلى النفل فالله يُتَقَّربُ إليه بما افترض وإذا نوت المرأة في نفسها أنه لولا شغل زوجها لاعتكفت كتب الله أجرها كما قال-عليه الصلاة والسلام- : (( إن بالمدينة رجـالاً ما سلكتم شعباً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم إلا شركوكم الأجر )) . قالوا : - يا رسول الله - ، كيف وهم بالمدينة ؟ قال : (( حبسهم العذر )) .

فالمرأة التي يحبسها عذر زوجها والقيام بحقوق زوجها ، أجرها كامل . وهكذا لو حبسها تربيتها لأطفالها وقيامها بحقوق أطفالها ، فإن أجرها كامل . فكم من متمن للخير الله مبلغه درجته ولعل الله لحكمة أن يصرف المرأة عن شهود المساجد حتى تنصرف عن الفتنة ، ويكتب لها الأجر بالنية ، فلا يجوز للمرأة أن تخرج للاعتكاف ، وتضيع حقوق أولادها أو حقوق زوجها ، فلا شك أنها مطالبة بالحقوق المفروضة قبل القيام بالنوافل والمستحبات .

[ سوى مسجد بيتها ] : أي يجوز لها أن تعتكف في كل مسجد لأنه لا تجب عليها الجمعة ، ولا تجب عليها الجماعة ، إلا مسجد بيتها فلا يصح لها أن تعتكف فيه . لأن المراد بالمساجد ، المساجد المعهودة ، ومسجد بيتها يعني مخدعها الذي تصلي فيه ليس بمحل للإعتكاف ؛ لأن الاعتكاف إنما هو في المساجد المعهودة .

[ ومن نذره أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة وأفضلها المسجد الحرام فمسجد المدينة ، فالمسجد الأقصى لم يلزمه فيه ] : أي ومن نذر الاعتكاف . فقال : لله عليّ أن اعتكف فإنه لا يلزمه الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة . لقوله-عليه الصلاة والسلام- : (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد )) ، ولذلك خص الله عز وجل هذه المساجد . فلا يجوز شد الرحال للقرب المتعلقة بالمواضع ، إلا هذه المساجد . فلا تشد الرحال للمشاهد ولا للقبور ولا لزيارتها ، ولا كذلك للدعاء عندها ، ولا للذبح عندها ، وكل ذلك مما يعتقد أنه قربة لا يجوز فعله ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد )) بل إن بعض هذه الأفعال يفضي إلى الشرك والخروج من الملة-والعياذ بالله- . وكفر صاحبه . كأن يشد الرحل للذبح عند القبر أو دعاء صاحب القبر أو التوسل لصاحب القبر بالذبح والاستغاثة والاستجارة به-نسأل الله السلامة والعافية- مما وقع فيه كثير من الجهال-نسأل الله السلامة والعافية- في الأزمنة المتأخرة ، ولا شك أن هذا الأمر تُنْقَضُ به عرى الإسلام ويوجب خروج صاحبه من الملة-نسأل الله السلامة والعافية- ، فالمقصود أن يشـد الرحل للاعتكاف . ولو أوجب ذلك على نفسه . فقال : لله عليّ أن اعتكف في مسجد قباء فإنه لا يلزمه أن يذهب إلى مسجد قباء وأن يعتكف فيه . فإذا نوى في أي مسجد أو نذر لأي مسجد فإنه يغنيه أحد هذه المساجد الثلاثة . إلا إذا نوى أفضلها فلا يغني المفضول عن الأفضل . فلو نوى أن يعتكف في مسجد بيت المقدس فإن الصلاة فيه بخمسمائة فيجزئه أن يعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وفيه الأثر ، وكذلك - أيضاً - لو نوى أن يعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يغنيه أن يعتكف في مسجد الكعبة وهذا على الأصل الذي ذكرناه ، لأن الأعلى يغني عن الأدنى ، ولا يغني الأدنى عن الأعلى فالعكس لا يصح ، فلو نوى أن يعتكف في المسجد الحرام فإنه لا يجزئه أن يعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ينتقل من الأعلى إلى الأدنى .

قال المصنف-رحمه الله- : [ وإن عين الأفضل لم يجز فيما دونه وعكسه بعكسه ] :
الشرح :

بين المصنف-رحمه الله- بهذه المسألة حكم نذر الاعتكاف ، فالشخص إذا نذر الاعتكاف في مسجد وكان هذا المسجد أفضل من غيره فإنه لا يجزئه أن ينصرف إلى ما دونه ، ومثال ذلك أن ينوي الاعتكاف في المسجد الحرام فإنه لا يجزئه أن ينصرف إلى مسجد المدينة ، وكذلك لو نوى الاعتكاف في مسجد رسول صلى الله عليه وسلم لم يجزه أن ينصرف إلى ما دونه من سائر المساجد غير المسجد الحرام ، والأصل في ذلك أنه إذا نوى الأفضل أنه لا تبرأ ذمته إلا به أو بما هو أفضل منه ، ولذلك إذا نوى الاعتكاف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وانصرف إلى مسجد الكعبة فإنه قد حصل فضيلة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وزيادة ، حيث فضل الله مسجد الكعبة على مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بمضاعفة الصلاة ، وفضل الله عز وجل المسجد الحرام على مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بوجود عبادة الطواف ، ولذلك اختص بهاتين الفضيلتين اللتين لا يشاركه فيهما غيره من سائر المساجد ، فمن نوى الاعتكاف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم جاز له أن ينصرف إلى مسجد مكة وهو المسجد الحرام .

ولا يجزيه أن ينصرف من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأقصى أو إلى غيره من سائر المساجد ماعدا مسجد الكعبة ، وفي ذلك سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث أمر الصحابي حينما نذر الاعتكاف في المسجد الأقصى أن يعتكف في مسجده صلى الله عليه وسلم .

وقوله-رحمه الله- [ وعكسه بعكسه ] : فإنه إذا نوى الأقل جاز له أن ينصرف إلى الأعلى كما ذكرنا ومن نوى الأعلى لا ينصرف إلى الأدنى . فالحكم في هذا على ما ذكرناه .

[ ومن نذر زماناً معيناً دخل معتكفه قبل ليلته الأولى وخرج بعد آخره ] : لما بين لنا-رحمه الله- أحكام الاعتكاف المنذور من جهة المكان شرع في بيان أحكام الاعتكاف الواجب من جهة الزمان فالاعتكاف فيه جانبان :

أولاً : من جهة المكان حيث يتقيد بالمسجد وإذا تقيد بالمسجد فلا يخلو :

إما أن ينوي مسجداً مطلقاً فلا إشكال وحينئذٍ يجزيه أي مسجد .

وإما أن يعين ، فإن عين إما أن يحدد ما هو أقل فيجزيه ما هو أعلى على التفصيل الذي ذكرناه . بعد أن فرغ من بيان هذا الحكم المتعلق بالمكان شرع في بيان الأحكام المتعلقة بالزمان .

فلو أن رجلاً نذر أن يعتكف يوماً كاملاً أي نهاراً بليلته فإنه إذا قال : لله علىّ أن أعتكف يوم الأحد أو الإثنين أو الثلاثاء فإنه يدخل قبل مغيب الشمس من يوم السبت وذلك لأن يوم الأحد . يبدأ من ليلة الأحد ، وليلة الأحد إنما تكون بمغيب شمس يوم السبت ، فإذا أراد أن يعتكف الليلة كاملة فلابد وأن يكون بكامل جسمه في داخل المسجد من أول الزمان ، ولا يتأتي ذلك إلا بالدخول قبل غروب الشمس ، فإن دخل بعد غروب الشمس فإنه لم يعتكف الليلة كاملة ، ولذلك من نوى العشر الأواخر فإنه يدخل قبل مغيب شمس يوم العشرين ، وأما الدخول إلى المعتكف نفسه وهي القبة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف فيها فقد كان يدخل بعد فجر ليلة الحادي والعشرين ، فالشاهد من هذا أن السُّنة لمن نوى الاعتكاف يوماً كاملاً أن يدخل قبل مغيب شمس اليوم الذي قبله حتى يحُصِّل الليلة كاملة ، وهكذا بالنسبة لآخر الزمان ، لأن الاعتكاف فيه أول زمانه وفيه آخر زمانه ، فأنت إذا ألزمت نفسك باعتكاف يوم كامل فإن الله فرض عليك أن تستغرق الزمان بكامله ، فأوله قبل مغيب الشمس وآخره بعد مغيب الشمس من اليوم الذي نويته ، فإن كنت ناوياً يوم الأحد فإنك تدخل قبل مغيب الشمس تحصيلاً لأول الزمان من يوم السبت ، ثم إذا غابت الشمس من يوم الأحد فقد تم نهارك وحينئذ يجوز لك الخروج ، فإن خرج قبل مغيب الشمس لم يستتم اعتكافه على الوجه المعتبر .

وعلى هذا فإن المعتكف للعشر الأواخر إذا ألزم نفسه بها ونذرها فإنه يخرج بعد مغيب الشمس من آخر يوم من رمضان ، وحينئذٍ لا يخلو الشهر من حالتين :

الحالة الأولى : أن يكون تاماً ثلاثين يوماً ، فإن تم الشهر ثلاثين يوماً فحينئذ تنتظر إلى مغيب شمس الثلاثين فإن غابت شمس يوم الثلاثين من رمضان فاخرج بعد المغيب ، فبمجرد أذان المغرب ينتهي الاعتكاف الواجب عليك ، وحينئذٍ إذا صليت المغرب جاز لك أن تنصرف .

الحالة الثانية : إذا كانت الليلة ليلة شك فتنتظر إلى ثبوت كونها ليلة الفطر فإذا جاء الخبر أنها ليلة الفطر في الساعة التاسعة أو الساعة الثامنة أو الساعة العاشرة فتخرج بمجرد علمك أنها ليلة العيد . وذلك لأنك لما تحققت أنها ليلة العيد لم يجب عليك اعتكافها ولا تلزم بها .

[ ولا يخرج المعتكف إلا لما لابد له منه ] : المعتكف حبس نفسه لطاعة الله وفر من الدنيا وشواغلها إلى مرضات الله ومحبته فالمنبغي عليه أن يحقق هذه العبادة وأن يقوم بها على الوجه الذي يرضي الله عز وجل حتى يكون أسعد الناس بالقبول منه سبحانه وتعالى فإنها نعمة من الله إذا وفق عبده لاغتنام هذا الاعتكاف في ذكره وشكره وحسن عبادته ثم تقبل منه ، ولا يتقبل الله إلا من المتقين الذين حفظوا حقوق العبادات ، وقاموا بها على أتمّ وجوهها على الوجه الذي يرضي الله سبحانه وتعالى ، فإذا كان المعتكف في اعتكافه فإنه لا يجوز له أن يخرج من المسجد إلا لضرورة وحاجة وهذا مجمع عليه بين أهل العلم ، لأن حقيقة الاعتكاف هذا اللفظ الشرعي المتضمن للعبادة الشرعية يدل على اللزوم وعلى المكث ، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم لا يخرج من المسجد إلا لحاجة وضرورة كما ثبت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها وأرضاها- : " كان لا يخرج إلا لحاجته " والمراد بالحاجة البول والغائط ، فإذا احتاج إلى بول أو غائط فإنه يجوز له أن يخرج ؛ والسبب في ذلك أن المساجد لا يجوز قضاء الحاجة فيها ، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم لما بال الأعرابي في مسجده صلى الله عليه وسلم وأنكر الصحابة عليه ذلك أقرهم ولكن أنكر عليهم أنهم يريدون قطعه عن البول ، أما كون البول في المسجد لا يجوز فهذا محل إجماع والله-تعالى- نبه إلى ذلك بقوله : { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ } فلا يجوز للمعتكف أن يقضي حاجته داخل المسجد فإذا كان لا يجوز له ذلك فمعنى ذلك أنه لا بد له من الخروج وإذا كان لابد له من الخروج فإن الخروج يكون مسموحاً وجائزاً ، فلو قلنا إنه يحرم على المعتكف أن يخرج لقضاء حاجته لما استطاع إنسان أن يعتكف ؛ لأنه ما من إنسان إلا وهو مضطر لقضاء حاجته ، ولا يمكنه أن يحبس هذه الحاجة لأن ذلك ربما أهلكه وأتلف نفسه ، فإذا كان الأمر كذلك فإنه يجوز له أن يخرج لقضاء الحاجة من بول وغائط ، وفي حكم ذلك ما يضطر إليه من الأكل والشرب إذا لم يجد أحداً يقوم بإحضار الطعام والشراب إليه فإنه لابد له من الأكل ولابد له من الشرب ، فإذا لم يجد طعاماً ولا شراباً جاز له أن يخرج ، فإن قلنا إن السُّنة قد دلت على جواز الخروج للحاجة وأنه يجوز له أن يقضي حاجته فإن الأصل يقتضي أن ما أبيح للحاجة والضرورة يقدر بقدرها .

ومن هنا فصّل العلماء فقالوا : إذا اضطر للخروج لقضاء البول أو الغائط فلا تخلوا أماكن قضاء البول والغائط من حالتين :

الحالة الأولى : أن تكون قريبة .

الحالة الثانية : أن تكون بعيدة .

فإن كانت قريبة فإنه يقضي حاجته فيها بلا إشكال ، لأن قربها من المسجد لا إشكال في جواز قضاء الحاجة فيه . كأن تكون لاتبعد عن المسجد إلا يسيراً أما إذا كانت بعيدة فإنه يختار أقربها ، ولا يجوز له أن ينصرف إلى المكان الأبعد . مع وجود الأقرب ، فلو اختار منـزله أو شقته أو عمارته أو بيته وهو بعيد عن المسجد أبعد من دورة مياه قريبة لم يجز له ذلك ؛ والسبب في هذا أنه إذا خرج لقضاء حاجته فقد استغل الوقت الذي يجب صرفه في الاعتكاف لقضاء الحاجة " وما أبيح للحاجة يقدر بقدرها " . فكأنه يترفه ويزداد في الوقت المسموح له ، فلما سُمِحَ له أن يقضي حاجته في الأقرب لم يجز له أن يقضي حاجته في الأبعد ، وهذا أصل عام وقاعدة عامة عند العلماء : " أن ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها " ، ولذلك قالوا : إذا أراد الشخص أن يطعن في الشاهد وعلم فيه أكثر من جُرْحَةٍ ترد شهادته وبعضها أشد من بعض فإنه يختار أقل شيء لأن كشف العورات مأذون به بقدر الحاجة ، وكذلك من أكل المخمصة والمجاعة قالوا : إنه يأكل ويسد رمقه ولا يجوز له أن يتزود لأن الزاد زائد عن حاجته والأصل أنه محرم فأبيح له قدر الحاجة ، فالأصل أنه محرم على المسلم أن يخرج من المسجد ما دام معتكفاً ، وأبيح له أن يخرج لقضاء حاجته ، فكأنه حينما اختار المكان الأبعد فإنه حرم عليه هذا المكان لأن الذي أجاز له الشرع إنما هو الأقرب ، وعلى هذا لا يجوز الانصراف إلى دورات المياه البعيدة مع وجود القريبة إلا في حالات :

الحالة الأولى : أن تكون شديدة الزحام . ويكون الإنسان شديد الحصر أو يتضرر بالانتظار في الزحام لضيق نسمٍ أو وجود ضرر من وجود بعض الروائح الكريهة أو نحو ذلك فيجوز له حينئذ أن يختار شقته أو يختار عمارته إذا لم يكن بعدها متفاحشاً ، كذلك الحكم إذا كان محتاجاً للطعام والشراب فلو كان يتيسر له أن يطعم في مطعم وهو قريب من المسجد فحينئذ ننظر إن كان جلوسه في المطعم يجحف بمثله كالعالم وطالب العلم ومن هو قدوة فتسقط مروءته بهذا المكان فيجوز له أن ينصرف إلى شقته وبيته لأنه يتضرر بالجلوس في هذا المكان فوجوده وعدمه على حد سواء .

وأما إذا كان يمكنه أن يأكل فيه ولا يستضر بذلك والمكان محفوظ ولا يجد غضاضة فيه فإنه لا يجوز له أن ينصرف إلى مطعم أبعد مع وجود الأقرب ، فالقاعدة أن هذا الشخص جاز له أن يفارق المسجد لضرورة ، وإذا جاز له لضرورة لا يجوز له أن يتمادى أكثر منها ، ومن هنا فرع العلماء أنه إذا خرج للاستحمام ومن أجل أن يستحم أو يغير ثيابه ولم يستضر بالثياب التي عليه فإنه يفسد اعتكافه .

لكن لو خرج لقضاء الحاجة وأخذ ثيابه معه من أجل أن يزيل العرق والنتن عنه واحتاج لذلك أو عليه جنابة فحينئذٍ لا إشكال . لكن أن يخرج من معتكفه من أجل أن يستحم ومن أجل أن يترفه بالاستحمام لشدة الحر أو نحو ذلك فلا ، وإنما يخرج بقدر الحاجة والضرورة لقضاء الحاجة أو إصابة الطعام ونحو ذلك .

والدليل على هذا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت في حديث السنن أنه كان إذا خرج من معتكفه إلى بيته (( لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة وإنما يكون لما لابد منه )) وعلى هذا فإنه لو تأمل الإنسان عيادة المريض وكذلك شهود الجنازة فإنها قد تصل في بعض الأحيان إلى مقام الحاجة وقد يحتاج المريض منك أن تواسيه وتسليه ومع ذلك لم يكن-عليه الصلاة والسلام- من هديه أن يُعَرِّج على المريض أو يجلس عند المريض وإنما كان يسأل وهو مار كيف فلان ؟ ولا يعـرج-صلوات الله وسلامه عليه- ، وهذا أصل يخل به البعض بسبب الجهل بأحكام الاعتكاف ، ولذلك تجد الإنسان يدخل إلى معتكفه ويخرج وقد تكون حالته هي هي ، لم يتغير لأنه لم يستشعر أنه في عبادة تلزمه بالتقيد والانضباط بالحدود الشرعية بحيث لا ينصرف عن هذه العبادة لا بقلبه ولا قالبه فلذلك ينبغي على المسلم أن يحفظ هذه الأحكام وهو أنه لا يجوز له أن يفارق المسجد إلا من ضرورة وحاجة فإن وُجدت الضرورة والحاجة جاز له أن يخرج ، أما إذا اشترط في اعتكافه بأن قال : أنه يشترط أن يتصل على أهله أو يتفقد حال أهله فللعلماء قولان : منهم من قال الأصل الشرعي أن المعتكف لا يجوز له أن يخرج ولا يجوز له أن يترفه وقد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم الاشتراط في الحج ولم يجزه للمعتكف فُنْبقي الاعتكاف على ظاهر النصوص ولا نجيز لأحد أن يشترط فيه ، ويُضَعِّفون القياس في هذا .

ومنهم من يقول : نقيس الاعتكاف على الحج فكما أجاز النبي صلى الله عليه وسلم في الحج أن تشترط المرأة فإنه يجوز للمعتكف أن يشترط . والقول الأول ألزم للأصل وذلك أنه أوفق ، إلا أنه لو قال قائل : لو أن المعتكف أثناء اعتكافه أو عند دخوله للمعتكف كانت عنده بنت مريضة أو أم مريضة أو والد مريض وخشي عليه أو كان هو نفسه مريض وخشي على نفسه فاشترط كان القياس هنا أقرب إلى الصواب ؛ لأن حديث ضباعة-رضي الله عنها- قالت : " إني أريد الحج وأنا شاكية " فكأنها ألزمت نفسها مع وجود المرض بخلاف من دخل العبادة وهو صحيح قادر فكأن الشرع أعطى هذا المكلف حينما دخل في العبادة وهو ضعيف أعطاه فسحة لأنه دخل فيها مع وجود الضرر فألزم نفسه ما لم يَلْزَمْه ، ولذلك يقوى أن يقال بالجواز على القول بجواز الاشتراط أن يكون في حالة وجود العذر عند الدخول تحقيقاً لدلالة النص الذي هو أصل في مباحث الاشتراط .

[ ولا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة إلا أن يشترطه ] : [ ولا يعود مريضاً ] : فإذا كان عند مريض من أهله ودخل البيت لحاجته له أن يسأل كيف فلان ؟ أو كيف حالك يا فلان ؟ وهو مار ولا يعرج عليه لا يقصد إلى غرفته ولا يجلس عنده ؛ ولكن لو أنه وهو مار في الطريق أو في الصالة سأل عنه أو سأل زوجته عن أبنائه فلا حرج ، أما أن يقصد عيادته فلا ، وفي حكم ذلك أن يخرج من اعتكافه بقصد الاتصال على أهله للاطمئنان على مريض فإنه في حكم العيادة ، ولذلك لا يعود وهذا أصل ، وقد قالت أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- حينما بينت سنة المعتكف قالت : أن لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة ولا يخرج إلا لما لابد له منه هذه ثلاثة أمور مضت السُّنة في المعتكف أن لا يعود المريض وأن لايشهد الجنازة وأن لايخرج من معتكفه إلا لما لابد منه يعني الأمر الضروري .

قوله-رحمه الله- [ إلا أن يشترطه ] : وهو أحد الوجهين عند العلماء-رحمة الله عليهم- قياساً على الحج .

[ وإن وطئ في فرج فسد اعتكافه ] : بعد أن بين-رحمه الله- حقيقة الاعتكاف والأمور التي ينبغي على المعتكف أن يلتزم بها في اعتكافه شرع في بيان ما يفسد الاعتكاف ، فيفسد الاعتكاف الجماع ، فإن حصل جماع بينه وبين زوجه أو جماع محرم-والعياذ بالله- فقد فسد الاعتكاف بإجماع العلماء-رحمهم الله- ، والأصل في ذلك أن المعتكف لا يجوز له أن يجامع لقوله سبحانه وتعالى : { وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } فحرم الله على المعتكف أن يباشر أهله ، فدل على حرمة المباشرة ، والمراد بالمباشرة هنا بالإجماع على أنها إذا بلغت غايتها وهي المباشرة بالجماع أنها محرمة .

وقال بعض العلماء : إنها مُحَرِّمَة للمباشرة التي يراد بها الاستمتاع إعمالاً للعموم في قوله : { وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ } كالتقبيل والهمز والغمز ونحو ذلك من الأفعال التي تكون مقدمات للاستمتاع بالمرأة ، وهذا على ظاهر قوله : { وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ } ومن هنا تنقسم المباشرة إلى قسمين :

القسم الأول : أن تكون المباشرة مفضية إلى الجماع أو من مقدمات الجماع ، كالتقبيل ونحوه فهذه بالإجماع لا تجوز ، فبالإجماع لا يجوز للمعتكف أن يقبل زوجه ولا يجوز له أن يستمتع على سبيل إثارة الشهوة .

القسم الثاني : أن تكون المباشرة لغير الشهوة كأن تسرح المرأة شعر زوجها أو يدني رأسه من المسجد لزوجته لتسرح شعره أو تغسل يده أو نحو ذلك فيحصل اللمس والمباشرة لكنها ليست مقصودة للاستمتاع فهذه جائزة بالإجماع لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيح : " كان يدني لأم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- رأسه فترجله وهو معتكف في المسجد -صلوات الله وسلامه عليه- " ، فإن جامع بطل اعتكافه ، وأما إن باشر ولم يجامع كأن يقبل أو نحو ذلك فإذا باشرها ولم يجامع وحصلت مقدمات الاستمتاع فلا يخلو من ضربين :

الضرب الأول : أن ينـزل فيفسد اعتكافه .

الضرب الثاني : أن لا ينـزل ، فللعلماء فيه قولان أصحهما أن اعتكافه لا يفسد .

[ وإن وطئ في فرج فسد اعتكافه ] : إذا جامع فللعلماء قولان :

القول الأول : أنه يفسد اعتكافه ولا شيء عليه وهو مذهب الجمهور .

القول الثاني : يقول يفسد اعتكافه وتلزمه كفارة الجماع في نهار رمضان .

القول الأول مذهب الجمهور أنه لاشيء عليه إذا جامع وهو معتكف ، والقول الثاني : رواية عن الإمام أحمد .

والصحيح القول الأول : أن من جامع زوجته وهو معتكف أنه يفسد اعتكافه ولا يجب عليه أن يكفر لأن الكفارة خاصة بالجماع في نهار رمضان على ظاهر السُّنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم والأصل براءة الذمة حتى يدل الدليل على شغلها . فالأصل أن ذمته بريئة من المطالبة بالكفارة ولا دليل على شغلها بالجماع في الاعتكاف إذْ لو كان الجماع في الاعتكاف موجباً للتكفير لما سكت الشرع عن ذلك .

محل الخلاف في مسألة الكفارة وعدمها : إذا وقع الجماع ليلاً ، أما لو وقع جماع المعتكف في نهار رمضان وهو صائم فإنه تجب عليه الكفارة للإخلال بصيامه لا من باب الاعتكاف ، وفرق بين كونها تجب للإخلال بالصيام وبين كونها تجب من أجل الاعتكاف .

على هذا لو سألك سائل وقال : اعتكف رجل وجامع زوجته فما الذي يجب عليه ؟

تقول له : فسد اعتكافه بالإجماع .

وأما إذا جامع فلا يخلو من حالتين :

الحالة الأولى : إن وقع جماعه في نهار رمضان وهو صائم لزمته الكفارة من أجل الصيام لا من أجل الاعتكاف .

الحالة الثانية : إن وقع جماعه في الليل فإنه لا تجب عليه الكفارة على أصح القولين وهو مذهب جمهور العلماء-رحمة الله عليهم- .

[ ويستحب اشتغاله بالقرب واجتناب ما لا يعنيه ] : يستحب الأفضل والأكمل والأعظم أجر للمعتكف أن يشتغل بالقرب وهي كل ما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى من الاعتقاد والأقوال والأعمال الظاهرة ، فمن الاعتقاد التفكر في عظمة الله سبحانه وتعالى ، وكذلك استشعار عظيم فضل الله عليك فإن الإنسان لو تفكر وتأمل وتدبر في نعم الله عز وجل المغدقة عليه فعظّم الله وهابه وخشي منه-سبحانه- كان هذا منه عبادة وقربة حتى قال بعض العلماء : أعمال القلوب أعظم من أعمال الجوارح فأعمال القلوب من تعظيم الله سبحانه وتعالى والخوف منه وخشيته وحبه وإجلاله أعظم من أعمال الجوارح .

ولذلك غفر الله عز وجل لعبده لما عظمه كما في الحديث الصحيح (( أن عبداً قال لأبنائه : إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني وذروا نصفي في البر ونصفي في البحر فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين قال : فلما مات صنعوا به ذلك ثم ذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فقال الله للبحر : اجمع ما فيك وقال للبر : اجمع ما فيك فإذا هو قائم بين يدي الله . قال الله : عبدي ما حملك على ما صنعت ؟ قال : خوفك يارب . قال : قد غفرت لك )) قالوا : فهذه أعمال القلوب فالإنسان إذا عظّم الله وهابه وأجلّه ، ولذلك أثنى الله على أهل هذه العبادة فقال : { وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } فالتفكر والتدبر وهذه من أعمال القلوب فإذا كان الإنسان في معتكفه وتفكر في عظمة الله وتذكر ذنوبه واساءته وتفريطه في جنب الله وذرفت عيناه من خشية الله فهذه قربة ، كذلك إذا سبح وهلل وحمد وكبر وأثنى على الله بما هو أهله فهي قربة بلسانه ، وهكذا إذا قام يصلي فركع وسجد وتلا كتاب ربه فهي قربة بجوارحه ، ونحو ذلك من الأعمال الصالحة التي تقرب إلى الله سبحانه وتعالى .

فالمقصود انصراف الإنسان في معتكفه إلى الله عز وجل ، وهي عبادة مخصوصة المراد منها أن يستكثر الإنسان فيها من طاعة الله عز وجل فيستحب له يعني الأفضل والأكمل ؛ لكن لو أن المعتكف تحدث وقتاً في شيء من الدنيا وكان ذلك منه بقدر فإن هذا لا يفسد الاعتكاف ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام مع أم المؤمنين صفية-رضي الله عنها- يَقْلِبُها وكانت تأتيه وهو معتكف فكان صلى الله عليه وسلم يتحدث معها ويباسطها ثم يقوم يقلبها كما ثبت في الصحيحين عنه ذلك . فهذا من سماحة الإسلام فالإسلام دين وسط ليس فيه رهبنة بحيث يقبل الإنسان إقبالاً كلياً ينصرف فيه عن أموره الضروية وعن الأمور التي هي من جبلة البشر ، فإن النصارى غلت في العبادة حتى أصبحت في مقام الرهبنة ، والإسلام لا يريد هذا من المسلم فلا رهبانية في الإسلام ؛ وإنما يريد المسلم أن يعبد الله ولكن لا يصل إلى درجة الغلو ولا إلى درجة التنطع ؛ وإنما إلى درجة معتبرة يصل الإنسان بها إلى مرضات الله عز وجل متأسياً ومقتدياً بنبي الرحمة-صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين- فيستحب له الاشتغال بالقرب الظاهرة والباطنة التي يحبها الله ويرضاها ويستجمع أمرين هامين :

الأمر الأول : الندم على من الذنوب والعصيان فإن الإنسان في ساعة رحمة وفي أوقات مظنة أن يرحمه الله عز وجل برحمته فإن مواسم الخير وساعات الطاعة والبر مظنة الرحمة ؛ لأن الله فضلها وشرفها واختارها لحكمة منه -سبحانه- ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : (( إذا دخل رمضان فتحت أبواب الرحمة )) كما في الصحيح من حديث أبي هريرة .

قال بعض العلماء : وأعظم ما تكون الرحمة إذا كانت العشر الأواخر لأن الله اختار من الشهر العشر الأواخر فإذا كان الإنسان معتكفاً في العشر الأواخر واستجمع نفسه في الإقبال على الله فإنه يندم على ما فات من الذنوب والعصيان لعله أن يخرج من معتكفه كيوم ولدته أمه ، لأن المقصود من الاعتكاف أن يصيب ليلة القدر ومن أصاب ليلة القدر وقامها إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ، فكم من أناس تشرق عليهم الشمس في صبيحة ليلة القدر وقد خرجوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم فهذا هو المقصود من ليلة القدر ، والمقصود من الاعتكاف أن الإنسان يصيب رحمة الله عز وجل وعفوه ومغفرته .

الأمر الثاني الذي يستجمعه : الإكثار من الدعاء وسؤال الله العافية فيما بقي من العمر . ويتضرع إلى الله عز وجل أن يحسن له الخاتمة فيما بقي له من عمره كما قال-تعالى- : { وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ } فالإنسان إذا نظر إلى ما هو قادم عليه من عمره خاف من الفتن ما ظهر منها وما بطن وخاف أن يختم له بخاتمة السوء وخاف أن تزل القدم بعد ثبوتها فلذلك يخشى من الله عز وجل فيما هو قادم عليه ويسأل الله عز وجل أن يلطف به . فإذا حصّل المتعكف هذا الشعور وهو الندم على ما فات احتقر نفسه في جنب الله واحتقر العبادة التي يقومها في طاعة الله عز وجل وأيضاً أحسن الظن بالله سبحانه وتعالى أن يرحمه وأن يغفر له ، فهذه أمور كلها تعين على شغل الوقت بذكر الله عز وجل وعليه أن ينصرف إلى الله بكليته ، فإذا جاء من يشغله عن ذكر الله أو جاءه أصحابه أو أحبابه ورأى منهم الإفراط في الجلوس وإضاعة الوقت والتفريط في الأوقات فلا يحرص على مثلهم وإنما يفر عنهم ، ولذلك كلما كان الإنسان بعيداً عن الخلطة كلما كان آنس بالله عز وجل ومن كان أنسه بالناس أعظم من أنسه بالله فلا خير فيه ، إنما يكون الأنس بالله-Y- وإذا كنت تستشعر أن أصحابك وأحبابك يدخلون السرور عليك فوالله سرورهم لا يكون شيئاً أمام سرورك بالله عز وجل وإذا أحس الإنسان هذا الإحساس فإنه يقبل على الله بكليته .

الأمر الآخر : أن تستشعر أنك ما تركت الوالدين ولا الأولاد ولا القرابات ولا الأبناء والبنات من أجل إضاعة الوقت في القيل والقال ، وشغل الأوقات في الأمور التي قد يكون فيها الغيبة والنميمة والأمور المحرمة إنما تركت الوالدين وتركت الأولاد من أجل ذكر الله ومن أجل طاعة الله فيستحب للإنسان أن يستشعر هذا الشعور حتى يستفرغ همته للخير والطاعة والبر نسأل الله التوفيق فإن العبد لا يستطيع أن يصيب الخير إلا بتوفيق الله عز وجل .

فكم من محب للخير لا يوفق له فيحال بينه وبين التوفيق للخير بسبب الذنوب - نسأل الله العظيم أن لا يحول بيننا وبين رحمته بما كان من ذنوبنا واساءتنا - .

قوله-رحمه الله- [ واجتناب ما لا يعنيه ] : هذا أصل عام ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )) أي من كماله وجلاله وفضله من علو مرتبة الإنسان في الإسلام وإذا أردت أن ترى المسلم الكامل فانظر إلى الذي لا يشتغل بشيء لا يعنيه ، فالله عز وجل كلفك نفسك وكلفك الناس أن تأمرهم بالخير وتنهاهم عن الشر استجابة لأمر الله عز وجل ، وما وراء ذلك من لمز الناس وأذيتهم أو الاشتغال بفضول الدنيا فهذا مما لا يعنيك ، ولذلك إذا فَرَّغ الإنسان نفسه لما يعنيه ساد ، قيل للأحنف بن قيس : كيف سدت ؟ قال : بتركي لما لا يعنيني . قال له رجل : كيف سدت قومك وأنت قصير ؟ أي ذميم أي أنك قصير الخلقة ؟

فكان جوابه-رحمة الله عليه- : كان الأحنف من سادات العرب ومن أهل الحلم والفضل فقال كلمة عظيمة في جواب هذا السائل المحتقر له المزدري له في صورته فقال له : بتركي لما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيني .

فهذا الأمر وهو خلقة الله عز وجل لا تعنيني وأنت اشتغلت بها مع أنها لا تعنيني أنا فسدت قومي حينما تركت الفضول وتركت الاشتغال بالناس وهمزهم ولمزهم واحتقارهم والوقيعة فيهم سدت قومي وسدت الناس فالسيد الذي يتبوأ المنـزلة العالية هو الذي يسلم الناس منه وإذا سلم الناس منك أحبوك وهابوك وكما كنت عفيفاً عن أعراضهم عفيفاً عن عيوبهم فإنهم يعفون عن أعراضك ويعفون عن عيوبك كما قال الإمام مالك : أعرف أقواماً عندهم عيوب ، ستروا عيوب الناس فستر الله عيوبهم وأعرف أناساً لا عيوب عندهم تكلموا في عيوب الناس وكشفوها فكشف الله عيوبهم أي أوجد الناس لهم عيوباً ليست لهم ، فلذلك الإنسان الذي يشتغل بما لا يعنيه خاصة الكلام في الناس وتتبع عثراتهم والوقيعة فيهم خاصةً إذا كانت غيبة ونميمة وأشد ما تكون إذا كانت للعلماء وطلاب العلم والفضلاء من الكلام في الأئمة بعض الأحيان يجلس المعتكفون ويقعون في الغيبة وهم لا يشعرون فلان طوّل بنا وفلان قصّر وفلان تلاوته أحسن من فلان وفلان أفضل من فلان ، وليت فلاناً قرأ بكذا ولم يقرأ بكذا وفلان يخطيء فهذه أمور يقع الإنسان فيها في الغيبة وهو لايشعر قال : - يا رسول الله - أَوَ إنّا مؤاخذون بما نقول ؟ قال : (( ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوهم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم )) ، فاللسان يشتغل بما لايعني الإنسان ، ولذلك ينبغي على المسلم أن يعلم أن الاعتكاف لله لا لأي شيء سواه ، فيشتغل بالأمور التي تعنيه ويترك عنه فضول الحديث كان السلف-رحمة الله عليهم- يخافون من فضول الحديث كخوفهم من الأمور المحرمة خوف الاشتغال بها فترديهم إلى الحرام ، ولذلك ينبغي للمسلم دائماً أن يوطن نفسه سواءً كان معتكفاً أو غير معتكف خاصةً طلاب العلم وأهل الفضل ؛ لأن الناس تنظر إليهم أنهم القدوة والشاب الملتزم الصالح إذا كان بين أهله وإخوانه وقرابته ينظرون إليه أنه قدوة فإذا وجدوه يكثر من ذكر الدنيا ومن العقارات والبيع والشراء سقط من أعين الناس واحتقرته وازدرته ، فترك الفضول وما لا يعني لايختص بالمعتكف بل إنه أمر ينبغي للإنسان أن يكون عليه خاصةً إذا كان من أهل الفضل ، ولذلك يقول العلماء : الأمر في أهل العلم وأهل الفضل آكد كالأئمة والخطباء والوعاظ والدعاة والعلماء ونحوهم هؤلاء ينبغي عليهم أن يتحفظوا في ألسنتهم وفيما يتكلمون فيه وفيما يسمعونه فإذا جلس الإنسان في المجلس ووجد فضول الكلام وفضول الأحاديث اشتغل بما يعنيه من ذكر الله عز وجل والتسبيح والاستغفار قال : " كنا نعد للنبي صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة أستغفر الله أستغفر الله ، لأنه قدوة كان إمام الخير وكان معلم الخير فكان إذا جلس أستغفر الله فما كان يشتغل بما لا يعنيه-صلوات الله وسلامه عليه- ، فالمنبغي على الإنسان أن يحرص على هذه الخلة فالمعتكف إذا حافظ في هذه العشرة الأيام على أنه لايشتغل بمالا يعنيه قد يستمر على هذه الخصلة الكريمة طيلة حياته ؛ لأن الاعتكاف مدرسة فإذا كان وطن نفسه في خلال العشرة أيام أن يستجمع قواه فيضغط على نفسه وعلى شهوته فينضبط في سلوكه وأقواله وأفعاله يبقى أثر هذه الطاعة ومن دلائل قبول الاعتكاف أن تجد المعتكف يخرج بخصلة من خصال الخير بل يخرج بخصال فإذا تعوّد على أنه معتكف وأنه مراقب في أقواله وأفعاله قد يبقى من هذا الشعور .

يقول العلماء : وهذا هو المقصود من الاعتكاف أن المعتكف حينما يُلْزَم بمكان ويستشعر أنه ينبغي أن يستفرغ جميع جهده يحس كأنه في الدنيا من حيث هو مخلوق ينبغي أن يستفرغ وقته في ذكر الله عز وجل فمثل هذه المواسم وهذه المواقف تعين الإنسان على أن يضبط نفسه ويضبط شهوته في الكلام والحديث فلايسترسل فيما لايعنيه .

- نسأل الله العظيم أن يعصمنا من الزلل في القول والعمل - .

مقتبس من شرح الشيخ لكتاب زاد المستقنع

نقلاً عن موقع الشيخ محمد الشنقيطي

 

 

عــــودة